محمد متولي الشعراوي

1388

تفسير الشعراوى

إن الحق عليم حكيم بمن خلق وهو الإنسان ، ويعلم أن الضعف قد يصيب روح الإنسان فلا يصطبر على الصلاة ، أو يراها تكليفا صعبا ، لكن الذي يقيم الصلاة ويحافظ عليها فهو الخاشع لربه . ولذلك فإننا نجد أن كل منحرف يأتي ويحاول أن يخفف من تكاليف الدين ، ويحاول أن يحلل أشياء محرمة في الدين ، ولم نر منحرفا يزيد في الأشياء المحرمة . إن المنحرفين يريدون إنقاص الأمور الحرام . وإذا سألنا هؤلاء المنحرفين : لماذا تفعلون ذلك ؟ فإننا نجد أنهم يفعلون ذلك لجذب الناس إلى أمور محرمة يحللها هؤلاء المنحرفون . ولذلك أراد بعض من اليهود أن يسهلوا على أتباعهم الدين ، وقال بعض من أحبارهم : لا تخافوا من أمر يوم القيامة . وجاء القول الحق يحكى عنهم وكأنهم حاولوا أن يفهموا الأمر بأن اللّه يحلل لهم أمورا ، لا ، إن اللّه لم يحلل إلا الحلال ، ولم يحرم إلا الحرام . وإذا كان الحق قد قال : قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ( 2 ) ( سورة التحريم ) فهذا القول الحكيم جاء في مناسبة محددة وينطبق فقط في مجال ما حلل اللّه فلا تحرمه ، أما ما حرم اللّه فلا تقربه ، لقد أرادوا أن يبيحوا للأتباع ارتكاب الآثام ، لأن النار لن تصيبهم إلا أياما معدودة ، وإذا دققنا التأمل في القول الحق الذي جاء على لسانهم ، فإننا نجد الآتي : إننا نعرف أن لكل حدث زمانا ، ولكل حدث قوة يحدث عليها ، فمن ناحية الزمان . قال هؤلاء المزوّرون لأحكام اللّه عن يوم القيامة إنها أيام معدودة ، فلا خلود في النار ، وحتى لو كان العذاب شديدا فإنه أيام معدودة ، فالإنسان يستطيع أن يتحمل ، ومن ناحية قوة الحدث ، أرادوا أن يخففوا منه ، فقالوا : إنه عذاب ليس بشديد إنما هو مجرد مس . إنهم يحاولون إغراء الناس لإفسادهم وقال هؤلاء الأحبار : نحن أبناء اللّه وأحباؤه أرأيتم أحدا يعذب أبناءه وأحباءه ؟ لقد أعطى اللّه يعقوب النبوة ، ولا يمكن أن يعاقب ذريته أبدا ، إلا بمقدار تحلة القسم . وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ( 44 ) ( سورة ص ) إن أيوب عليه السّلام قد حلف أن يضرب امرأته إذا برئ من مرضه مائة سوط ، وأراد اللّه له أن يحله من هذا القسم فأمره أن يأخذ حزمة من حشيش أو